منتديات جامعة درعا
بنوركم زملائي وزميلاتي ينير هذا المنتدى وتشرق أبوابه من نير مواضيعكم الجميلة فشاركوا معنا بتسجيلكم لنخطو إلى الأمام خطوة وفي كل خطوة نخطوها سنصل إلى القمة . فنرجوا التسجيل والمشاركة من الجميع





 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين حسين   الثلاثاء مارس 09, 2010 6:46 pm

تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين حسين


**********************************************



"العنوان يعلو النصّ ويمنحه النور اللازم لتتبُّعه"

عتبة القراءة

تنبثق أهمية "العنوان" - سليل العنونة - من حيث هو مؤشّر تعريفيّ وتحديديّ، ينقذ "النصّ" من الغفلة، لكونه، أي العنوان، الحدّ الفاصل بين العدم والوجود، الفناء والامتلاء. فأن يمتلك النصّ اسماً (عنواناً)، هو أن يحوز كينونةً، والاسم (العنوان)، في هذه الحال، هو علامة هذه الكينونة: "يموت الكائن، ويبقى اسمه". من هنا، المشقّة التي ترمي بثقلها على المسمّي أو المعنون، وهو يقف إزاء النصّ - الغفل بقصد عنونته وتسميته، فيستبدل العنوان إثر الآخر، كما لو أن العناوين مفاتيح لباب النصّ الموصد، إلى أن يرتضي النصّ عنوانه، ويفلت من العماء، ويستكين إلى ألفة الوجود، ويحوز هوّيته.
هذه الخطورة الأنطولوجيّة الجسيمة التي يتمتّع بها "العنوان"، هي التي لفتت انتباه الباحث، وفرضته موضوعاً للدراسة الراهنة، من حيث إن "العنوان" يعدّ أخطر البؤر النصّيّة التي تحيط بالنصّ، إذ يمثّل العتبة التي تشهد عادةً مفاوضات القبول والرفض بين القارئ والنصّ، فإما عشقٌ ينبجس فتقع لذّة القراءة، وإمّا نكوصٌ ليتسيّد الجفاء مشهدية العلاقة. فالعنوان هو الذي يتيح أولاً الولوج إلى عالم النصّ والتموقع في ردهاته ودهاليزه، لاستكناه أسرار العملية الإبداعيّة وألغازها. هكذا يعرّف "العنوان" النصّ، بتسميته وتحديد تخومه، ومجاله، ثمّ يقتنص قارئاً له، ليدقّ، من ثمّ، نواقيس القراءة، فتشرع عوالم النصّ بالتكشّف والتقوّض في فعل القراءة.
تفرض قصيدة "يطير الحمام" لمحمود درويش اختيارها على الباحث من ضمن النصوص الحداثية العربية المتميّزة، لتكون مثالاً ساطعاً على استراتيجية العنوان في الكتابة الشعريّة وعلاقته بالنصّ من حيث إنّها، وتبعاً لمنظور القراءة، تمثّل نموذجاً للقصيدة الطويلة نسبياً من جهة، ونموذجاً للعنوان الفعلي من جهة أخرى، وإلى جانب هذا وذاك تتمتّع القصيدة بلغة شعريّة عالية، لتغدو "بنيةً منزاحةً" ليس فحسب عن اللغة الاستعماليّة، وإنّما عن اللغة الشعريّة السّائدة، فضلاً عن انبنائها وفق تقنيات متنوّعة: التّفاعل التّناصي مع "نشيد الإنشاد" بصورة رئيسة، الصورة البلاغيّة المربكة للقراءة، بتأسيسها لفجوات ومراوغات ليس من السهولة ملؤها وتصيّدها في الفعل التّأويلي، وكذلك إدخال البعد البوليفوني الذي أتاح للنصّ أن يزخر بأصوات متعدّدة: الكورس، العاشق، العاشقة، الراوي. تشابك هذه الأبعاد يضع المتلقّي إزاء نصّ شعريّ خطير ينذر قارئه بلذّة على وشك الانفجار.

1 ـ مستوى البنية:

ما يلفت الانتباه في هذا العنوان ("يطير الحمام") انبناؤه وفق صيغة فعليّة، أي ابتداؤه بـ"فعل"، وليس ثمة من غرابة مقلقة في الأمر إذا تصفّحنا ديوان محمود درويش إذ تطفح عتبات العناوين بالصيغ الفعليّة. فعلى سبيل المثال، وضمن خرائطيّة فهارس مجموعاته الشعريّة، تتدفّق على المتلقّي العناوين الفعليّة الآتية:
"سنخرج، نزل على البحر، يكتب الراوي: يموت، أسمّيك نرجسةً حول قلبي، سأقطع هذا الطريق، تضيق بنا الأرض، نسير إلى بلد، نسافر كالناس، أقول كلاماً كثيراً، يحقّ لنا أن نحبّ الخريف، يعانق قاتله، سيأتي برابرة آخرون... إلخ"، وإذ نستحضر هذه الصيغ الفعليّة للعنوان لدى محمود درويش - ومثلها الكثير من العناوين الحداثيّة وما بعد الحداثيّة في الشعر العربي - إنما لتتمّ الإشارة إلى أن للعنونة الأحقّيّة في استيلاد عناوين من خلال الصيغ الفعليّة، مثلها مثل الصيغ الاسمية، بل إنها في حضورها تؤدّي وظيفةً مزدوجةً في اشتغالها كعتبة للنصّ: وظيفة التسمية، من حيث أنها تعنون النص، أي تمارس التعيين والتحديد، فترسم خطوط كينونة النصّ وفضاءه، أي أنها تتقمّص "الاسميّة" عنواناً للنصّ، وفي الوظيفة الأخرى تسعى "الصيغة الفعليّة" إلى تحطيم هيمنة الصيغة"الاسميّة" ، في احتكارها للعنونة وسيطرتها الأبديّة على أبنية العناوين، وبهذا الشكل يدشّن "العنوان" اختلافه عن "الاسم العلم" في تبنّيه الصيغة الفعليّة.

وإذا كان الأمر كذلك، فلنمضِ باتجاه أسرار بنية العنوان: "يطير الحمام":
على المستوى التّركيبي يتمظهر "العنوان" في مركّب فعليّ، أي تلك "الهيئة التّركيبيّة المبدوءة في الأصل بفعل تام" ، مشكّلاً بذلك مركّباً إسنادياً في شكل "جملة بسيطة" من حيث أداؤها لفكرة مستقلّة، مكتفيةً بذاتها: طيران الحمام. غير أنّ ميزة العنوان ("يطير الحمام") هنا، قائمة على اشتغاله بصيغة الفعل المضارع: "يطير = يفعل"، وبذلك يدشّن حدث "الطيران" في الزمن الحاضر المستمرّ، بما تدلّ عليه صيغة "يفعل" صرفيّاً وسياقيّاً، وهكذا بتعاضد ذلك مع دلالة الجمع التي يختلقها فاعل الجملة من خلال اسم الجنس الجمعي، يستحوذ العنوان بقوّة على متلقّيه، بإدخاله في مشهد بصريّ حيّ، ليستنطق المشهد بأسئلة من مثيل: إلى أين يطير الحمام؟ لماذا يطير؟... إلخ، وهنا تتحقّق وظيفة العنوان في كونه المنجم الذي لا ينفكّ عن إنتاج الأسئلة، ليدفع بالمتلقي وراء الأجوبة، فيلج متاهة النصّ، ليكون "الطعم" الذي يرميه "الشاعر"، ويغوي القارئ تمهيداً لاصطياده.
أما على المستوى المعجميّ، فينتظم العنوان في حقل دلاليّ وفق علاقة الاشتمال ما بين مفردتَي "الحمام" و"يطير"، حيث "الطيران" سمة دلاليّة من سمات "الحمام". غير أن المعنى الدّلالي لا يتميّز إلا بمقابله التضادي في معنى أن الفعل "يطير" يستدعي على الفور فعلاً مضاداً لـه "يحطّ"، وهكذا ينبني الحقل الدلالي - فضلاً عن علاقة الاشتمال بتضمّن مفردة "الحمام" للفعلين "يطير، يحطّ" - على علاقة التّضادّ الناشبة بين الفعلين "يطير، يحطّ"، وهو تضادّ اتجاهي Directional opposition تتضح معالمه من خلال المربّع السيميائي :

يطير تضادّ يحطّ

لا يطير تحت التضادّ لا يحطّ

وهكذا يدخل الفعل "يطير" دلاليّاً في جملة علاقات يتحدّد بها معناه:

علاقة تضادّ: يطير - يحطّ.
علاقة تناقض: يطير - لا يطير.
علاقة تداخل: يطير - لا يحطّ.
علاقة ما تحت التضاد: لا يحط - لا يطير.
بناءً على ما تقدّم من علاقات، يتبنّى العنوان العلاقة التضادّية التي تسمطق حركة "الحمام"، بجعلها حركةً ذات مغزى ودلالة نتيجةً لما ينجم عنها من تناسل ثنائيات تضادّية، يترتّب بعضها عن بعض: السماء الأرض، الصعود الهبوط، الأعلى الأسفل، وكلّها ثنائيات مشحونة بالقيمة والتفاضل تسم الثقافة التي أنتج فيها النصّ، فالكيانات المتصارعة محمّلة بأبعاد ثقافيّة ودينيّة ونفسيّة سوف تتجلّى في الانعطافات اللاحقة لفعل القراءة.إذا كان هذا حال المستوى المعجمي للعنوان بعلاقاته الدلاليّة فكيف يتجلّى مجازياً؟ وفي معنى آخر، كيف يتحرّك العنوان ("يطير الحمام") من التدليل على حدث يوميّ إلى كونه بنيةً سيميوطيقيةً لا تتقن سوى التشظّي، والشطب والاختلاف؟

وسوف ننظر إلى العنوان في مستواه المجازي من خلال مفهومَي "الاستعارة" و"الرمز"، ولنبدأ بالعنوان في وصفه بنيةً استعاريةً. إلى ذلك، وفي قراءة للاستعارة، يقول بول ريكور: "إن الاستعارة ليست تزويقاً لفظياً للخطاب. بل لها أكثر من قيمة انفعاليّة، لأنها تعطينا معلومات جديدة. وبوجيز العبارة، تخبرنا الاستعارة شيئاً جديداً عن الواقع"، فما الشيء الجديد الذي تبوح به استعاريّة العنوان؟ تستند القراءة في تأويلها للبنية البلاغيّة للعنوان على الكائنات النصيّة الحاضرة والغائبة بالتكافؤ المعجمي بينها عبر المشابهة. وهذه العناصر هي:

ـ الحمام عاشق وعاشقة.
ـ [ يطير يحطّ ] فعل الحب.

لكن كيف يمكن تسويغ هذا التأويل؟

استناداً إلى هذه التكافؤات المعجميّة، يستبدّ العنوان بعنصريه موقع "المشبّه به"، والعناصر المكافئة لها موقع "المشبّه"، وبذلك يندرج العنوان استعاريّاً في ما يسمّى بـ"الاستعارة التصريحيّة"، حيث يصرّح بـ"المشبّه به" وتغييب "المشبّه" الذي يتقمص كينونة "المشبّه به"، يقول الجرجاني: "فالاستعارة: أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، وتجيء إلى اسم المشبّه به، فتعيره المشبّه، وتجريه عليه"، ولكون الأمر كذلك، يتلبّس اللغز الاستعارة، وهنا تنهض القرائن السياقيّة في تفكيك لغزية الاستعارة. غير أن العنوان "يطير الحمام" يفتقد إلى هذه القرائن، ومن هنا نلجأ إلى السياق العام أقصد السياق الثقافي، وما يقدّمه من مؤشرات تدعم الزعم الذي نطرحه هنا. وفي هذا الإطار تقدّم لنا كتابات الجاحظ تماثلات بين "الحمام" و"الناس"، فمن أولى بروتوكولات العلاقة بين الإنسان والحمام: الحب "ومن مناقب الحمام حبّه للناس، وأنس الناس به"، وفي موقع آخر: "ومن كرم الحمام الإلف والأنس والنزاع والشوق. وذلك يدلّ على ثبات العهد، وحفظ ما ينبغي أن يحفظ، وصون ما ينبغي أن يصان..."، كما يشير الجاحظ إلى تقاطعهما (الحمام والناس) في الشهوة: "وفي الإنسان ضروبٌ من القوى: أحدها فضل الشهوة، والأخرى دوام الشهوة في جميع الدهر، والأخرى قوّة التصنع، وأنت إذا جمعت خصاله كلها كانت دون قوّة الحمام عند فراغه من حاجته وهذه فضيلة لا ينكرها أحد، ومزية لا يجحدها أحد!"، لكن المشابهة تبلغ الذروة في ما يورده الجاحظ من حديث أحد أئمة الحمام: "لم أرَ شيئاً قطّ في رجل وامرأة إلا وقد رأيت مثله في الذكر والأنثى في الحمام" . هذه البيانات كمؤشّرات قرائيّة تقودنا إلى القول: إن العنوان ("يطير الحمام") يفيض عن معناه الحرفي إلى معناه المجازي، بالانتقال من المشهد البصري الاعتيادي لطيور الحمام إلى مشهد يخصّ كائنات إنسانيّة بامتياز، وبذلك تنسف الاستعارة العلاقة العرفيّة بين الدالّ = يطير الحمام، و المدلول = المشهد البصري لطيران الحمام، ليغدو الدالّ عاشقين والمدلول مجامعةً جنسيةً، فالاستعارة تفتح فجوةً بين الدّال ومدلوله العرفي و"كأنها طعنةٌ انتقاميةٌ خاطفةٌ" للتداول العرفي للعلامة اللغويّة.
لكن ما الذي يطرأ على العنوان ("يطير الحمام") بانتقاله من مجال الاستعارة إلى مجال الرمز؟
المجال الرّمزي هو الذي يتضاعف فيه "العنوان" دلاليّاً ويتعدّد، وتشطب فيه الدلالة السابقة لحساب الدلالة الراهنة، والأخيرة لمصلحة دلالة قادمة برسم الانبثاق، وبذلك ينفلت "الرمز" من سطوة السياق النصيّ وقرائنه - على عكس الاستعارة - لتغدو "العلامة - الرّمز" كائناً هائماً على وجهه، تراوغه المدلولات، وليس لـه عندئذ سوى ممارسة لذّة الانزلاق ومتعته. وحتّى تحيط القراءة بهذه الدلالات المرتقبة دون محاصرتها، يمكن تقديم الترسيمة الآتية:

مشهد جنسي
السماء الأرض
الصعود الهبوط
الأعلى الأسفل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: تابع للتحليل   الثلاثاء مارس 09, 2010 6:47 pm

رمزياً، وفي مستوى أوّل، ينذر العنوان ("يطير الحمام") بخطر داهم، وبذلك يتقمّص العنوان لافتة إنذار، فالطيران - وبخاصة بالنسبة إلى طائر أليف مثل الحمام - لا يحدث إلاّ باضطراب يقع في موطنه، وفي هذا الإطار يستقطب الفعل "يطير" ما يعضد هذه الدلالة من حيث مراكمته لدلالات: الفزع والخوف (طار قلبه)، والاضطراب (طارت نفسه) وما يرتبط بذلك من بلبلة وشرّ وتشاؤم: التطاير: "التفرّق والذهاب، (...) والطائر: ما تيمّنت به أو تشاءمت وأصله في ذي الجناح. (...)، والطائر الحظّ من الخير والشر" ، وبذلك يكون "طيران الحمام" مؤشراً على فأل سيء، ومن هنا المماثلة بين الشؤم والطير في الثقافة العربية: "وقيل للشؤم طائرٌ وطيرٌ وطيرةٌ لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطيّر ببارحها ونعيق غرابها وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسمّوا الشّؤم طيراً وطائراً وطيرةً لتشاؤمهم بها" . وفي مستوى ثانٍ، وإذا أخذنا بالحسبان الدلالة الاستعاريّة للعنوان، يرمز العنوان إلى الخفّة والطيش، أليس العشق موصوفاً بهاتين الصفتين؟ نظراً لارتباطه بنوازع الكائن وأهوائه: "وفي فلان طيرةٌ وطير وطيرورةٌ أي خفّةٌ وطيشٌ، (...). وفي الحديث إيّاك وطيرات الشباب، أي زلاّتهم وعثراتهم" ، وما العشق وما يترتّب عليه إلاّ هذه الزلات التي يتصف بها الكائن في أوجه، وهكذا يختلق "العنوان" في رمزيّته الثقافيّة دلالات القلق والتفرّق، وما يرتبط به من تشاؤم، والطيش وما يتركه من متعة وسعادة في نفس الطائش.

وتمعن "العلامة - الحمام" في ارتكاب دلالات أخرى، إذ ترمز "الحمامة" إلى السلام "حمامة بيكاسو" ، وما تفترضه هذه الدلالة من علاقات الوئام بين الشعوب بعيداً عن ضجيج الحروب والقتل. غير أن "الحمامة" ترتبط في الثقافة الشرقية بـ"البشارة"، وذلك في زمن سحيق من تاريخ البشريّة. يحدّثنا "العهد القديم" الحكاية الآتية: "وحدث من بعد أربعين يوماً أن نوحاً فتح طاقة الفلك التي كان قد عملها وأرسل الغراب. فخرج متردّداً حتى نشفت المياه عن الأرض. ثم أرسل الحمامة من عنده ليرى هل قلّت المياه عن وجه الأرض. فلم تجد الحمامة مقرّاً لرجلها. فرجعت إليه إلى الفلك. لأن مياهاً كانت على وجه كلّ الأرض. فمدّ يده وأخذها وأدخلها عنده إلى الفلك. فلبث أيضاً سبعة أيّام أخر وعاد وأرسل الحمامة من الفلك. فأتت إليه الحمامة عند المساء وإذ ورقة زيتون خضراء في فمها" . يؤسّس الخطاب الديني لتضاد دلاليّ (وبضدّها تتمايز الأشياء) بين الحمامة والغراب من جهة، وائتلاف دلاليّ بين كلّ من "الحمامة والحياة ( = ورقة زيتون خضراء) "، و"الحمامة والبشارة"، بعودة الكينونة إلى الفضاء الأرضيّ.

ويمكن هذه الرمزيّة الثقافيّة أن تغتني وتثرى بالبعد النفسي لرمزيّة العنوان. فهل يمكن قراءة العنوان ("يطير الحمام") على أنه بنية حلميّة؟ وهنا يتخذ العنوان مستويات من التفسير والتأويل، نظراً لتقاطع الرمز والاستعارة في بنية الحلم: يطير الحمام، حيث يتقمّص "الحالم" صورة طير "الحمام"، ويغدو "الطيران" الفعل الذي يؤدّيه في فضاء الحلم، وبذلك يغدو "الحالم" نهباً لصراعات نفسيّة عميقة تتحدّد بالحركة (الطيران) بين السماء - الأرض، الصعود - الهبوط، الأعلى - الأسفل، في هذا المفصل يغدو النسق الأوّل: السماء، الصعود، الأعلى موضوع الرغبة، أي موضوعاً للاتصال، في حين يصبح النسق الآخر والمضادّ: الأرض، الهبوط، الأسفل موضوعاً للانفصال. وهكذا يحيلنا فعل "الطيران" على دلالات متنوّعة، فعلى صعيد علاقة "الطيران" بثنائية: السماء الأرض - والأمر يستغرق الثنائيتين الأخريين - يمثّل الحدّ الأوّل: الحرّيّة، حيث "الرغبة في الحرية قد يكون لها أكثر من طريقة للتعبير، فقد يشير الطيران إلى الرغبة في الاتجاه القدسي، والتشوّق إلى الخلود" ، فالأعلى قرين المقدّس والخلود والحياة المفارقة للفناء، في حين تمثّل الأرض القسوة والتعسّف، فيقتنص "الطيران" دلالة "الرغبة في الهروب من ارتباط المرء بالأرض، من الوجود العادي المملّ بكلّ مسؤولياته الرئيسية، وبالتالي الطيران لممالك أحلام اليقظة والخيالات" . هكذا تنبثق ثنائيّة إضافيّة من ثنايا الثنائيات المذكورة، وأقصد تدليل "الطيران" من خلال النسق الأوّل على "الخلود"، وبعكسه الفناء متمثّلاً بالنسق الثاني. كذلك يكتسب "الطيران" في انزلاقاته المثيرة دلالات التفوّق والسيطرة، لأنه يتخذ من "الأعلى" فضاءً لـه، فقد "يشير الطيران على المستوى العملي إلى رغبة الحالم في تجاوز وتخطّي الصعاب، برفع نفسه فوق تعقيدات الروتين ومشاكل الحياة اليومية، أو يرفع نفسه ويرقّيها فوق الآخرين من أجل التفوّق والسيطرة أو محاولة لتعويض شعوره بالنقص" . والفضاء العالي يتلاءم مع فكرة التفوّق والسيطرة، وما القصور، والأبنية إلا دلائل غير لغويّة على محاولات السيطرة والهيمنة والتفوّق على الآخرين.

هذه هي فعاليّة "الرمز" حيث الاختراق وهتك الحدود والقيود والاعتماد على تداعيات حرّة في التدليل. والآن ماذا يمكن للقراءة أن تسجّل بخصوص هذا الانفجار الدلاليّ الناجم عن تفكيك العنوان عبر تشظّيه إلى دلالات تنبثق وتختفي في فعاليّة القراءة، إذ لا يمكن الرهان على معنىً مستقرّ، وحيد، ومركزي، بقدر ما يتعلّق الأمر بممارسة "العنوان" - في وصفه نصّاً - للعبة إرجاء الدلالات وتأجيلها، فهو في كلّ حركة يرتكب دلالةً ثم يتنكر لها في لعبة مثيرة من إخلافه لهويّة المعنى، ناسفاً حضوره وتمركزه، وبدلاً من تأسيسه لدكتاتورية الحضور - حضور معنىً محدّد وثابت - يسعى "العنوان" إلى تفتيت هويّة المعنى وتماثلها مع نفسها، وبالتالي إحداث الاختلاف في مساره الدلاليّ، وعليه لا يمكن بحال تثبيت العنوان ("يطير الحمام") على حدث يوميّ أو مشهد شهوي أو اضطراب أو طيش... إلخ، بقدر ما يكونها جميعاً أو لا يكون أيّاً منها في الوقت نفسه، مندفعاً بغواية التأجيل الأبديّ، محمّلاً بآثار الدلالات السابقة والراهنة واللاحقة.

2- مستوى التجاذب: معانقات العنوان والنصّ:

تكمن أهمية العناوين في أنها بوّابات غير محروسة بإحكام، ينسلّ منها القراء إلى النصوص، لانتهاك عفّتها وفضّ بكارتها، وهي بذلك مفاتيح يختلسها هؤلاء - في خلسة من الحرّاس - للبحث عن متعة غافية، فالقبض عليها قبضٌ على كلمة "السرّ" التي تقود القرّاء - القراصنة إلى مواقع "الكنز - هل قلنا المتعة؟"، ولهذا تبرز استراتيجيّة العناوين ليس في كونها نصوصاً جماليّةً فحسب، بقدر ما تؤشّر إلى كينونة محتجبة خلفها برسم الاستيقاظ، والكشف عن الأخيرة كشفٌ عن تجربة ورؤيا، تمدّنا بأساليب جديدة في معرفة "العال"، ولذلك كان العنوان "بالنسبة إلى نصّه اللاحق يوجد في وضعيّة مفارقة حسب ليوهوك Léo.H.Hoek إذ عليه أن يخبر وأن يبقى محدود الإخبار في الوقت نفسه" . وهذه السمة هي ما تتوافر في العنوان "يطير الحمام" على نحو كبير، من حيث إنه يمارس التلميح والتأشير والإحالة على ما يجري من أحداث نصّيّة متوارية خلفه، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يؤدّي العنوان مهمّاته الاستراتيجيّة في الكشف عن الكنوز المطمورة؟
لنحدّد، بدايةً، محورَي القراءة بين العنوان والنصّ والنصّ والعنوان:

الحضور الصيغيّ.
الحضور الدلاليّ.
ولننطلق من المحور الأوّل:

أ- الحضور الصيغي:

كتب أحد النقّاد: "وقد يكون العنوان بكامله جملةً أو كلمةً من القصيدة ينتقيها الشاعر دون غيره لكونه يراها بؤرةً أو مرتكزاً يشدّ إليه بقيّة الكلمات المسهمة في النسيج اللغوي للنص" ، وهذا ما ينطبق بدقّة على العنوان قيد القراءة، حيث اقتطع من النص، ليكون النواة التي يتكشّف فيها النص، ويرتدّ إليها. وفي الواقع يشكّل العنوان بصيغته ("يطير الحمام") جملةً من جملتين فعليّتين تمثّلان لازمة تكراريّة، تتصدّر كلّ مقطع نصيّ من المقاطع التسعة المكوّنة للنص الشعريّ:


"يطير الحمام
يحطّ الحمام".

والسؤال الذي يطرح نفسه، وقبل الخوض في الحضور الصيغي للعنوان، لماذا لم تحضر اللازمة التكراريّة في نصّ العنوان بالكامل، وإنما اكتفى الشاعر بجملة منها دون الأخرى؟ ترى القراءة أن الأمر يتعلّق بقضايا تخصّ وظيفة العنوان ذاته، من حيث عليه التقيّد بأقصى اقتصاد لغويّ من جهة، وبالتالي محدوديّته على الإخبار، وبمعنى آخر، فالعنوان نصّ، لكنه نصّ ناقص يتضمّن فجوات وفراغات في بنيته، التي تفجّر الأسئلة في لقاء العنوان بالمتلقّي، وأيّ عنوان يدفع للمتلقّي على نحو مكتمل، سوف يكون بديلاً للنص، وهنا ينحدر العنوان والنص معاً نحو الموت، ولذلك "على العنوان أن يكون مثيراً، مختصراً، ومركّزاً يحمل مجموعة معلومات في شكل مورفولوجي صغير، غير مكتمل، يدفع القارئ إلى طلب زيادة مجموعة معلومات" . ومن جهة أخرى أظهرت القراءة في بنية العنوان أنه بذاته يفترض ضمناً الحدث الدلاليّ المضادّ لـه متمثّلاً بـ"يحطّ الحمام"، فلم يجد الشاعر فائدةً من إثبات اللازمة كاملةً في العنوان بإفساح المجال للمتلقّي بملء الفراغ وإيجاد الضديد الدلاليّ للعنوان.
والسؤال كيف يحضر العنوان في النصّ؟ وما هي أشكال هذا الحضور؟ وما هي مهامّها البنائيّة والدلاليّة في النصّ؟ بدايةً، لنقدّم ترسيمةً بمستويات حضور العنوان في النصّ:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: تابع للتحليل   الثلاثاء مارس 09, 2010 6:50 pm

مستويات حضور العنوان في النصّ

تكرار تضادي تكرار تطابقي
صيغة المضارع تكرار تطابقي
صيغة الماضي تكرار إفرادي تكرار وزني في مختلف مقاطع النص
يطير الحمام
يحطّ الحمام
عدد التكرارات تسع مرّات يطير الحمام
يطير الحمام
عدد التكرارت مرّة واحدة في نهاية المقطع
التاسع وطار الحمام
وطار الحمام
تكرّرت هذه الصيغة في المقطع التاسع على نحو متقطّع يطير الحمام الرخام
الغمام
الختام
السلام
الكلام
الحمام
وشام
حرام
الكلام
الكلام
الرخام
المنام
مقام
الظلام
أطير
تكرّرت مرّة واحدة في المقطع الثالث الحمام
تكرّرت مرّة واحدة في المقطع الثالث



يتّخذ حضور العنوان صيغيّاً تقنيّة "التكرار" Repetition بأشكال مختلفة، كما هو مبيّن في التّرسيمة، وما يلفت الانتباه فيها أوّلاً: التكرار التضادّي للعنوان "يطير الحمام" مع ضديده الدلالي "يحطّ الحمام" في عتبة كلّ مقطع من المقاطع التسعة للنصّ، لتغدو هذه اللازمة ("يطير الحمام - يحطّ الحمام") عنواناً فرعياً لكلّ مقطع نصيّ. ومن اللافت للانتباه، أيضاً، أن هذه اللازمة التكرارية - وفق ما يظهره الشكل الطباعي للنص، وبدءاً من المقطع الثاني - تؤدّي دور "نهاية" المقطع السّابق، و"بداية" المقطع اللاحق، وهي بذلك تحقّق معادلةً طارئةً: "نهاية - بداية" أو "بداية - نهاية"، وبذلك يمكن وسمها بـ"لا نهاية - لا بداية"، إنها تتّخذ وضعيّة عنصر بنائيّ غير محسوم.

من جهة أخرى إذا تمعنّا في النص، تظهر المواقع المكانيّة لهذه اللازمة في هندسة النصّ الطباعية فراغات من البياض تفصل بين اللازمة والمقطع النصّيّ، الأمر الذي يدعو إلى الشكّ في تبعيّتها للمقطع النصّيّ، ولهذا لن تكون اللازمة سوى استهلال نصيّ أو دور تمثيليّ لصوت آخر يفتح المشهد الشعري، ليبدأ "العاشق" أو "العاشقة" الحوار على غرار "نشيد الإنشاد" المصدر النصّيّ الذي يتصارع معه درويش بنيةً ودلالةً وتقنيّةً، فهو يستند إلى الطابع الدرامي في البنية النصّيّة، حيث يتيح للكورس (الجوقة) المشاركة بين دوري "الحبيب والحبيبة" في المشاهد الحواريّة بينهما، وعليه ليست اللازمة ("يطير الحمام - يحطّ الحمام") إلا صوت الكورس المنحدر من "نشيد الأناشيد" إلى قصيدة "يطير الحمام".

لكن، ماذا بشأن الدورين البنائيّ والدلاليّ الذي يمارسه التكرار التضادّيّ في مساحة النصّ؟ على الصعيد البنائيّ، وبانبثاق صوت الكورس، تمسرح "اللازمة" الحدث الشعريّ، أي تمنحه بعداً دراميّاً، فيمضي "النصّ" إلى الاشتغال وفق تعدّد صوتي (بوليفوني)، ويتحرّر من سلطة الثنائيّة الصوتيّة التي تسم النصّ تقنيّاً، كما أن قيام اللازمة بدورَي "البداية (النهاية) - النهاية (البداية)" تضمن ربطاً بنيويّاً بين مقاطع النصّ باستمرار الحدث الشعريّ بين المتحاورين من جهة أولى، وبين العنوان ومقاطع النصّ من جهة ثانية، وبين مقاطع النصّ والخاتمة من جهة ثالثة، وأخيراً بين العنوان والخاتمة وفق ما يظهره الشكل الآتي:

يطير الحمام


فالشكل الهندسي يوضح قوة التماسك البنائيّ بين مكوّنات النصّ: العنوان، جسد النص، الخاتمة. فالعنوان يرتبط ببداية النصّ من طريق تكراره في اللازمة، والمقاطع ترتبط في ما بينها من طريق "اللازمة" كونها بداية للمقطع السابق ونهاية له، وبداية للمقطع اللاحق، فيما ترتبط الخاتمة بالنصّ من طريق تكرار الحدّ الأوّل من اللازمة ("يطير الحمام") على نحو مزدوج، لترتبط بذلك الخاتمة بكلّ من النّصّ والعنوان، وهكذا تنفتح مكوّنات النص على بعضها: العنوان يحضر في النصّ والخاتمة، وكلاهما في العنوان، فيغدو النصّ دون بداية، دون خاتمة، دون جسد، فكلّ مكوّن يؤدّي دور المكوّن الآخر، الأمر الذي يؤكّد خطورة "العنوان" واستراتيجيّته في البناء والتدليل. وبقدر ما ينتشر العنوان في النصّ والخاتمة بقدر ما يتكثّف الأخيران فيه.
أما الشكل الثاني من حضور العنوان في النصّ فيتمثّل بـ"تكرار تطابقيّ"، وذلك في الخاتمة بتكرار العنوان بصيغته المعهودة على نحو تتابعيّ: "يطير الحمام، يطير الحمام"، وبصيغة الماضي في المقطع التاسع: "وطار الحمام، وطار الحمام"، بفاصل بين التركيبين. فما الذي أدّى إلى هذا التغيير الصيغيّ من المضارع إلى الماضي من جهة، وأخرى مجيء الخاتمة في صيغة تخلو من التضادّ كما في المقاطع النصّيّة السابقة؟ تقتضي الإجابة إيراد المقطع التاسع لإدراك طبيعة التحوّلات والصيرورات في حضور العنوان في النصّ:

"يطير الحمام
يطير الحمام

رأيت على الجسر أندلس الحبّ والحاسة السّادسه
على وردة يابسه
أعاد لها قلبها
وقال: يكلّفني الحبّ ما لا أحبّ
يكلّفني حبّها
ونام القمر
على خاتم ينكسر
وطار الحمام

رأيت على الجسر أندلس الحبّ والحاسّة السادسه
على دمعة يائسه
أعادت لـه قلبه
وقالت: يكلّفني الحبّ ما لا أحبّ
يكلفني حبّه
ونام القمر
على خاتم ينكسر
وطار الحمام
وحطّ على الجسر والعاشقين الظلام

يطير الحمام
يطير الحمام".

يتقدّم المقطع الشعري ليقلب الأدوار رأساً على عقب، إذ شهدت المقاطع الثمانية السابقة عليه تبادلاً للعاشق والعاشقة في مشاهد حواريّة تتفجّر بالرغبة والعشق والوصال، حيث تغدو العاشقة موضوعاً للعاشق، للاتصال به، وبالعكس، غير أن المشهد التاسع يشهد انفصال كلّ فاعل من الفاعلين عن موضوعه، ليتحرّك النصّ من الملهاة إلى المأساة، فكيف يتمّ تأويل ذلك من خلال العنوان؟ التغيير الذي يطرأ على المشهد يتمثّل بتموقع صوت جديد، صوت راوٍ يروي النهاية التراجيدية للعشق بين العاشقين، وذلك باستخدام صيغة الماضي "رأيت" الذي يدلّ على أن الحدث الشعري المتمظهر من خلال صيغة المضارع "يطير الحمام يحطّ الحمام" جرى في الماضي، وترهينه كان بقصد إدماج المتلقّي في الحدث الشعريّ، لما تدلّ عليه صيغة المضارع من حال واستقبال، ما يجعل الحدث الشعريّ مكتنفاً بالتحوّلات في مسار النصّ، على عكس صيغة الماضي التي يكون الحدث فيها قد أنجز وتحقّق.
في هذا المشهد، الذي يتفرّع بدوره إلى مشهدين وصفيين، الأوّل يخصّ العاشق والآخر العاشقة، تحدث مأساة الانفصال بين العاشقين ويتمظهر ذلك نصّيّاً من خلال المعجم النصّيّ: "وردة يابسة، نام القمر، خاتم ينكسر، دمعة يائسة"، فالأسماء والأفعال هنا تومئ على التوالي إلى الموت، وحلول العتمة، والانفصال. هذه الدلالات تتساوق مع دلالة الحدّ الثاني من اللازمة أو ضديد العنوان: "يحطّ الحمام"، فالفعل "يحطّ" يفيد دلالات الهمود، والسكون، والفتور، وتبلغ هذه الدلالات ذروة التجلّي في السطرين الأخيرين من المشهد التاسع:

"وطار الحمام
وحطّ على الجسر والعاشقين الظلام".
هكذا تنبثق دلالة جديدة، تدعم التأويل الأخير لضديد العنوان، حيث يتلاءم الفعل "حطّ" مع الفاعل (الظلام) دلالياً، فالظلام يتضمن دلالات الموت والانطفاء والخوف... إلخ، بما يوحي بالانفصال بين العاشقين، ولهذا سوف تأخذ اللازمة الصورة الآتية:
"وطار الحمام
وحطّ (...) الظلام".

وبذلك يشير الحدّ الأوّل إلى التفرّق والذهاب، في حين يشير الحدّ الثاني إلى الهمود والسكون، ليحدث الانفصال والفراق من خلال صيغة الماضي (طار، حطّ) بما لا يتفق مع ثيمة الحبّ التي تتضمن حركة انفعاليّة وجسديّة متشخصة في صيغة المضارع:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: تابع للتحليل   الثلاثاء مارس 09, 2010 6:51 pm

وبناءً على ما تقدّم من السهولة بمكان تفسير الخاتمة:

"يطير الحمام
يطير الحمام".

فمن وظائف التكرار التوكيد، كما يشير ابن الأثير: "واعلم أن المفيد من التكرار يأتي في الكلام تأكيداً لـه وتشييداً في أمره، وإنما يفعل ذلك للدلالة على العناية بالشيء الذي كرّرت فيه كلامك"، وتأتي الخاتمة للإمعان في حال الانفصال بين العاشقين وتأكيده، بإزاحة الضديد "يحطّ الحمام"، وتكرار الحدّ الأوّل "يطير الحمام"، الأمر الذي يؤكّد، في الوقت نفسه، الضديد في صورته الثانية "وحطّ الظلام"، فالتكرار التطابقي: تكرار هشّ لا يشير إلى التطابق بقدر ما يشير إلى الاختلاف، بمعنى آخر، فالخاتمة تسند التأويل الآتي:

"يطير الحمام
يحطّ الظلام".

ثمة شكل آخر من حضور العنوان في النصّ، وهو في الواقع حضور مجموعة من المفردات التي تتعالق مع مفردة "الحمام" في الصيغة وفونيم "الميم": الرخام، الغمام، الختام، السلام، الكلام، الحمام، وشام، حرام... حرام، الكلام، الكلام، الرخام، المنام، مقام، الظلام، وتكمن أهمية هذا النوع من حضور العنوان في مقاطع النصّ في مسارين: الأوّل إيقاعي، فكل مفردة من هذه المفردات، وفي سياقها النصّيّ، تؤسّس تفعيلة: فعولن، وهذا ما يكثّف من بؤر الإيقاع الموسيقي بتضافر البحر المتقارب مع هذه المفردات المنتهية بفونيم "الميم"، وبذلك ترتبط هذه المفردات مع عنصر العنوان "الحمام" في الصيغة والوحدة العروضيّة، ما يدلّ على امتداد العنوان دلاليّاً وإيقاعيّاً في تشكيل جسد النصّ. ويتجسّد المسار الثاني في البعد الدلالي لهذه الكلمات من حيث إنها تتماثل مع أحد عنصرَي العنوان "الحمام" في الصيغة الصرفيّة (فعال) والوزنيّة (فعولن أو فعول)، وتختلف عنه دلاليّاً، وهذا الاختلاف يسهم إلى حدّ كبير بإكساب النصّ تراكمات دلاليّةً وغنىً معجميّاً.
حضور العنوان وانتشاره في النصّ عبر تقنية التكرار بمستويات مختلفة، يظهران طابعاً مميّزاً للغة الشعرية لدى محمود درويش الذي يتكئ في بنينة نصوصه الشعرية على التوازي التركيبيّ القائم على التماثل النحويّ والاختلاف الدلاليّ، كما هي الحال في اللازمة - فالتكرار لا يني منتجاً للاختلاف على الصعيد الدلاليّ، فإذا كان ذلك بيّناً في التكرار التضادّيّ والوزنيّ، فإنه يستمتع بـ"الاختلاف" حتى في إطار التكرار التطابقيّ، كما في قراءتنا للخاتمة "يطير الحمام، يطير الحمام"، وبالتالي "ليس ثمة من "تكرار" حقيقي إلا وهو في خدمة "التمايز" أو هو في مصلحة "اختلاف" يندغم فيه ليفلت به عن حيّز التكرار"، فالتكرار لا يكون إلا بكونه اختلافاً، فما أن يولد حتى يحمل في رحمه بذرة الاختلاف. وإذ نؤكّد إنتاجية التكرار للاختلاف؛ فلأن العلامة اللغويّة المكرّرة لا تنزع إلى "التماثل الدلالي" مع ذاتها، بل "إن قابلية التكرار بما هي تكرار إشارة أو معاودتها تفضي إلى تفتّت الهوية الدلاليّة لهذه الإشارة"، وبمعنى آخر، فالتكرار لا يثبت هوية الكلمة، ويمنحها الاستقرار الدلالي باقتطاع معنىً لها، بقدر ما يفكّك هذا "المعنى"، ويفتح العلامة على الاختلاف، لتختلف مع ذاتها وتتباين على المستوى الدلاليّ.

ب- الحضور الدلاليّ:

إذا كان الحضور الصيغي للعنوان وانتشاره قد كشف أسرار البنية النصّيّة جزئيّاً، فإنه من المدعاة بمكان الكشف عن انتشار العنوان في النصّ، للقبض على اشتغالات العنوان وتحوّلاته دلاليّاً، وبالتالي المعرفة بأسرار البنيّة وغوامضها على صعيد النصّ. وتشرع مجازفة القراءة بالعمل بزعم مفاده أن العنوان مع ضديده يمثّل نواةً نوويّةً تنشطر في المقطع النصّي، فيتمفصل إلى حقلين دلاليّين، تدور كائنات الأوّل حول نواة الحدّ الأوّل: يطير الحمام، وكائنات الحقل الثّاني حول نواة الحدّ الثّاني: يحطّ الحمام، فكيف يمكن القراءة إدراك تشظّيات العنوان في مقاطع النصّ:


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: رد: تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين   الثلاثاء مارس 09, 2010 6:55 pm

ـ المقطع الأول:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
- أعدّي لي الأرض كي أستريح
فإني أحّبك حتى التعب...
صباحك فاكهةٌ للأغاني
وهذا المساء ذهب
ونحن لنا حين يدخل ظلّ إلى ظلّه في الرخام
وأشبه نفسي حين أعلّق نفسي
على عنق لا تعانق غير الغمام
وأنت الهواء الذي يتعرّى أمامي كدمع العنب
وأنت بداية الموج حين تشبّث بالبرّ
حين اغترب
وإني أحبّك، أنت بداية روحي، وأنت الختام"
.


حين نتأمّل المشهد النصّيّ، وبتعالقه مع اللازمة، يشرع الحقلان الدلاليّان بعمليات جذب الشظايا النصّيّة وأغبرتها إلى مركز الحقل من ناحية، والتجاذب بينهما من ناحية أخرى. في هذا الإطار تستبدّ النواة الدلاليّة "يطير الحمام" بالمعجميّة الآتية: صباحك، الغمام، الهواء، حين اغترب، في حين تجتذب النواة الأخرى "يحطّ الحمام" إليها المعجميّة الآتية: الأرض، المساء، تشبّث بالبر، ومما له دلالته، التساوق الدلالي بين النواة والعناصر الدائرة في مدارها، فالصباح مؤشّر زمنيّ على طلوع الشمس، والغمام يتحرّك نحو الأعالي، في حين أن الفعل "اغترب" يومئ إلى الحركة، فالعناصر الثلاثة تشترك مع النواة في سمة (+ حركة). وبالمثل توحي العناصر الثلاثة الأخرى في الحقل الثاني بالثبات والهمود، وعليه فهي تشترك في سمة (حركة). لكننا حين ننظر إلى النواتين في تجاذبهما، أي في ما توحي به اللازمة من حركة مستمرّة بين الصعود والهبوط دون انقطاع، يغدو المشهد النصّيّ توسيعاً دلاليّاً لهذه البنية التفاعليّة، وإيجازاً لذلك نقدّم ممارسةً قرائيّة لإحدى هذه الموجات الدلاليّة:

"أعدّي لي الأرض كي أستريح
فإني أحبّك حتى التعب...".

تمتدّ هذه الموجة اللغويّة بين المخاطب (العاشق) والمخاطب (العاشقة)، وتؤسّس كينونتها ضمن ما يسمّى "بإنشاء طلب بتحقيق فعل على وجه الاستعلاء" ، ويكشف الخطاب عن طبيعة علاقة المخاطب بالمخاطبة من خلال الجملة الأمريّة، وذلك بخلوّها من التكلّف بين الطرفين، ولذلك اتخذت الجملة صيغة الأمر: أعدّي، لكن ماذا عليها أن تعدّ؟ هنا تنهض طيةٌ دلالية من خلال مفردة "الأرض" المستخدمة - في وصفها مفعولاً به - للفعل أعدّي، حيث تشرع مفردة "الأرض" بالانتقال من مدلول حرفيّ إلى مدلول حاف به، لتومئ إلى "سرير الحب"، فما التقاطع المشترك بين "الأرض" و"السرير"؟، تتخذ مفردة الأرض السمات الآتية: مادة + ممتدّة + غير ممهّدة + سرير واسع، في حين يمتاز السرير بـ: + مادة + ممتدّ + أرض صغيرة، فالعناصر المشتركة بين المفردتين تسمح بدخول "الأرض" في فضاء الاستعارة من حيث يكون "للفظ أصلٌ في الوضع اللغويّ معروفاً تدلّ الشواهد على أنّه اختصّ به حين وضع، ثم يستعمله الشاعر أو غير الشاعر في ذلك الأصل وينقله إليه نقلاً غير لازم". وما يخفف من وطأة الطية الدلاليّة ويجعل الاستعارة في متناول التأويل تلك المؤشرات السياقيّة "كي استريح" و"أحبّك"، فهي عناصر كافية لتخفيف التوتر الاستعاريّ في مفردة الأرض. من جهة أخرى تفترض "الأرض" ضديدها الدلاليّ: "السماء"، ليكون المتلقي إزاء ثنائية: السماء الأرض كصورة دلاليّة أخرى عن "يطير الحمام يحطّ الحمام" أو:

"يطير العاشقان
يحطّ العاشقان".


*************************************
-
المقطع الثّاني:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
أنا وحبيبي صوتان في شفة واحده
أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشارده
وندخل في الحلم، لكنّه يتباطأ كي لا نراه
وأطرد عنه الليالي التي عبرت قبل أن نلتقي
وأختار أيامنا بيديّ
كما أختار لي وردة المائده
فنم يا حبيبي
ليصعد صوت البحار إلى ركبتيّ
ونم يا حبيبي
لأهبط فيك وأنقذ حلمك من شوكة حاسده
ونم يا حبيبي
عليك ضفائر شعري، عليك السلام"
.




يقدّم لنا المشهد الثاني صورة أخرى من انتشار النواتين الدلاليّتين في المشهد، ويمكن النواة الأولى أن تشرف على المفردات الآتية: "النجمة الشاردة، أصحو، ليصعد صوت البحار"، وبالمقابل تستغرق النواة الثانية "ينام حبيبي، الليالي، فنم يا حبيبي، لأهبط فيك"، وليس بخافٍ العلاقة بين "الطيران" والنجمة وصعود الصوت، من حيث تقاطعها في سمة (+ ارتفاع)، في حين تتقاطع مفردات الحقل الثاني مع النواة الدلاليّة "يحطّ الحمام" في سمة (+ هبوط)، ففي النوم تتغيّر وضعيّة الكائن من وضع عمودي إلى وضع أفقي، وكذلك في الليالي تهبط العتمة، والدلالة الجنسية واضحة في مفردة التركيب الأخير. إذا كان هذا حال "اللازمة"، فكيف تتجلّى على نحو تفاعليّ في النصّ؟ يشكّل المشهد الثاني موجةً دلاليّةً أخرى في إثر الأولى. ويمكن لنا التأمّل في الصورة الآتية:

"أنا وحبيبي صوتان في شفة واحده
أنا لحبيبي أنا. وحبيبي لنجمته الشارده".

يعكس السطر الأوّل تفاعلاً التحاميّاً بين العاشقين (الحمام) من خلال آليّة التشبيه البليغ أو المضمر، كما يسمّيه ابن الأثير: أنا وحبيبي = صوتان في شفة واحدة، إذ تمّ الدمج بين المشبّه والمشبّه به دون "توسط أداة ولا وجه شبه، وإذا المشبّه به خبر أو في حكم الخبر عن المشبّه. وغياب هذين الركنين يفتح الباب أمام الذهن يتطلع إلى جميع وجوه اللقاء الممكنة بين الطرفين فإذا هما واحد أو كالواحد في التصوّر"، وهكذا يغدو الصعود هبوطاً، والهبوط صعوداً، والعاشق عاشقةً والعاشقة عاشقاً في الفعل الجسدي، وتختفي الخطوط بين الطيران والهبوط. غير أن الصورة الثانية سرعان ما تكمن للصورة الأولى، وتفقدها لذّة الالتحام ليكفّ التفاعل، وينفرد كلّ حدّ من حدّي اللازمة بدلالة منفصلة، وتنزاح "اللازمة" عن تدليلها على الفعل الجسدي، لتبوح بإرهاصات المأساة، وفيما تؤكّد العاشقة على توحّدها بالحبيب "أنا لحبيبي أنا"، تستقطب انتباه العاشق أنثى أخرى (النجمة الشاردة) واهتمامه. وبذلك بقدر ما تؤدّي "اللازمة" معنىً دالاً على التوحّد الجسدي، بقدر ما تؤسّس لمعنى الانفصال والافتراق، وهذه من عادات العلامة اللغويّة في الإحاطة بهويّتها والانزلاق بها نحو الاختلاف معها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: رد: تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين   الثلاثاء مارس 09, 2010 7:00 pm

ـ المقطع الثالث:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
- رأيت على البحر إبريل
قلت: نسيت انتباه يديك
نسيت التراتيل فوق جروحي
فكم مرّةً تستطيعين أن تولدي في منامي
وكم مرّةً تستطيعين أن تقتليني لأصرخ: إني أحبّك
كي تستريحي؟
أناديك قبل الكلام
أطير بخصرك قبل وصولي إليك
فكم مرّةً تستطيعين أن تضعي في مناقير هذا الحمام
عناوين روحي
وأن تختفي كالمدى في السفوح
لأدرك أنك بابل، مصر، وشام"
.


تنتشر شظايا العنوان مع ضديده في هذا المشهد الشعريّ من خلال نسقين معجميين، الأوّل: رأيت، انتباه، التراتيل، أن تولدي، أناديك، أطير، والثاني: نسيت، تقتليني، كي تستريحي، قبل الكلام، المدى، السفوح، بابل، مصر، وشام، ومما لـه دلالته أن النسق الأوّل تجمع كائناته سمة ( + حركة)، فالرؤية ناجمة عن حركة العين، والانتباه عن يقظة الشعور، ومثلها الأفعال: تولدي، أناديك، أطير، إذ تتحرك نحو الخارج عبر حركة المولود والصوت واندفاع الجسد. هكذا يبلور المشهد موجةً دلاليّة تنطوي على ( + حركة)، بمواجهة هذا المدّ الدلاليّ تسهم النواة "يحطّ الحمام" بانتشارها في المشهد الشعري باختلاق فضاء دلاليّ دالّ على السكون والصمت، فالنسيان فقدان آليّة التذاكر، والقتل يقود إلى الموت، والاستراحة ضدّ الحركة، وقبل الكلام ثمة صمتٌ، أمّا العلامات الأخرى فتشكّل فضاءً مكانياً، يوحي بالسكون، غير أن العنوان مع ضديده الدلاليّ يتجسّد في النصّ على نحو تفاعليّ، فالصعود والهبوط المتواتر يؤدّيه فاعلٌ واحدٌ متمثّلاً بالحمام (العاشقين):

"أناديك قبل الكلام
أطير بخصرك قبل وصولي إليك".

يتأسّس الحراك الدلاليّ للصورة الشعريّة على تضادّ دلاليّ: حركة ثبات، ويتجلّى في السطر الأوّل بـ"نداء صمت" وفي السطر الثاني بـ"أعلى (أطير) أسفل (خصرك)"، هذه الصورة تشاكس المنطق، وتبدو، وكأنها غير قابلة للبتّ فيها لكونها تفسح للانزياح حيّزاً كبيراً في بنيتها. فمن الصعوبة بمكان اقصار الفعلين "أناديك وأطير" على دلالة محدّدة، فالسياق الشعري، هنا، يبدّد الدلالة القاموسية للفعلين المذكورين، ويحمّلهما بحمولة سيميائيّة تناقض الدلالة العرفيّة لهما، فالفعل "أناديك" يتشظّى ويتبعثر دلالياً، فتفقد اللغة بذلك وظيفتها التّواصلية لتؤسّس الوظيفة الشعرية، وذلك لأن الفعل "أناديك" يتأرجح وينوس بين الدلالة القاموسيّة والسياقيّة، فهو نداءٌ، وصمتٌ في الوقت نفسه، ومثله الفعل "أطير" فهو طيران وثبات، وهكذا يتحكّم التناقض المنطقي بالبنية الدلاليّة للثنائيتين: نداء - لا نداء، طيران - لا طيران، فالاشتغال اللامنطقي أو ضدّ المنطق السائد في اللغة من شؤون اللغة الشعريّة التي تجمع بين المتناقضات، وتحرّر العلامات من سطوة العرف والعادة، لتفتح العلامة على أقصى تشظّيات التدليل.

إن الشاعر، هنا، يقرأ الصمت، لهفة العاشق في الوصال، وبذلك يؤسّس لـ"جماليات الصمت"، الصمت في وصفه كلاماً ملغّماً، ورغبةً على حافّة الانفجار "قبل الكلام - قبل وصولي". واللافت للانتباه الدور البنائيّ والدلاليّ الذي يؤدّيه الظرف "قبل" الذي يغيّر من دلالات الفعلين "أناديك، أطير"، فيتحرّران من المعنى القاموسي، وفجأة نكتشف انبثاق مرجعيات إحاليّة غير موجودة: النداء قبل الكلام، والطيران بخصر الحبيبة قبل الوصول، وهذه المرجعيات لا تمارس كينونتها إلا في الخطاب الشّعري فـ"المدلول الشّعري - كما تقول جوليا كرستيفا - يحيل ولا يحيل معاً، على مرجع معيّن، إنه موجود وغير موجود، فهو في الآن نفسه كائن ولا كائن". إنها اللغة الشعرية تقرّب البعيد وتبعد القريب، مندفعةً بنشوة جذلى في تحطيم الائتلاف، لتحيا في الاختلاف.


*********************************************
ـ المقطع الرابع:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
إلى أين تأخذني يا حبيبي من والديّ
ومن شجري، من سريري الصغير ومن ضجري،
من مراياي من قمري، من خزانة عمري ومن سهري، من ثيابي ومن خفري؟
إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين
تشعل في أذنيّ البراري، تحمّلني موجتين
وتكسر ضلعين، تشربني ثم توقدني، ثم
تتركني في طريق الهواء إليك
حرامٌ... حرام"
.



ينبني المشهد على توتّر دلاليّ بين الحركة والثبات، بين الرغبة الجارفة من العاشق (إلى أين تأخذني) وبين الرغبة والخوف من عادات المكان وأعرافه لدى العاشقة (والديّ، من شجري، سريري، ضجري، مراياي، قمري، خزانة عمري، سهري، ثيابي، خفري)، وكلّها علامات دالّة على العرف الذي إن هو إلا استقرار وثبات في مواجهة المضي مع الحبيب (إلى أين تأخذني)، فالخوف من المصير الذي ستؤول إليه العاشقة يقودها إلى التأكيد الاستفهامي: "إلى أين تأخذني يا حبيبي إلى أين؟"، وهنا يبثّ المشهد الشعري موجةً دلاليّة تعضد مفهوم الحركة (تأخذني) من خلال صيغ الفعل المضارع "تشعل، تحمّلني، تشربني، توقدني، تتركني" التي تقتنص معنى الحركة من خلال دلالات التعدية والصيرورة، والاتصال واستمرار الحركة في تساوق مثير في ذلك المعنى المتولّد من اللازمة: "يطير الحمام يحطّ الحمام"، في وصفها حركةً مستمرّةً من الصعود والهبوط بين العاشقين.

*******************************************
- المقطع الخامس:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
- لأني أحبك، خاصرتي نازفه
وأركض من وجعي في ليال يوسّعها الخوف مما أخاف
تعالي كثيراً، وغيبي قليلاً
تعالي قليلاً، وغيبي كثيراً
تعالي تعالي ولا تقفي، آه من خطوة واقفه
أحبّك إذ أشتهيك. أحبّك إذ أشتهيك
وأحفن هذا الشعاع المطوّق بالنحل والوردة الخاطفه
أحبّك يا لعنة العاطفه
أخاف على القلب منك، أخاف على شهوتي أن تصل
أحبّك إذ أشتهيك
أحبّك يا جسداً يخلق الذكريات ويقتلها قبل أن تكتمل
أحبّك إذ أشتهيك
أطوّع روحي على هيئة القدمين - على هيئة الجنّتين
أحكّ جروحي بأطراف صمتك... والعاصفه
أموت، ليجلس فوق يديك الكلام
"
.

تتنكّر النواتان "يطير" و"يحطّ" في أشكال دلاليّة مختلفة بالكاد يمكن الاستدلال على علاقاتها بالنواتين الدلاليّتين، كما في معجميّة هذا المشهد الشعري، وليس من الضرورة أن نلحظ التفاعل الجدلي بينهما، بالتدليل على الفعل الجنسي وذلك بتوحّد العاشقين، إذ كثيراً ما تمارس كلّ واحدة منهما عداءً دلاليّاً تجاه الأخرى، ومن هنا، فليس ثمة وعود راسخة للدليل الأدبي مع "الهويّة" لكونه يسحر بـ"الإخلاف"، ماضياً نحو الاختلاف.
تشبك النواة الأولى مفردات: خاصرتي نازفة، أركض، أشتهيك، النحل، الوردة الخاطفة، شهوتي، يخلق، جروحي... إلخ، إذ تتقاسم هذه الكائنات اللغويّة والنواة سمة (+ حركة)، فالنزف سيلان الدم، والركض ممثّل الإرادة والعزم في الاندفاع، في حين يمثّل الاشتهاء الرغبة الشديدة في الأنثى، وكذلك النحل بما يتميز به من حركة في الفضاء، والوردة بتفتّحها. فهذه الكائنات تندفع بحركتها نحو الخارج، مع ما يحقّق لها الاتصال بالعالم. ومن جهة أخرى، لا يقف الضديد رهين العزلة، وإنما يمتدّ بدوره في النصّ ليسجّل حضوره عبر مفردات: ليال، غيبي، خطوة واقفة، يقتل... إلخ، والتأمّل في هذه المفردات يقودنا إلى أنها تكرّس "الغياب" على نحو عامّ، وتومئ إلى الامتناع عن التفاعل والتداخل مع الطرف "الآخر". من جهة ثالثة، ثمة محاولة من العاشق في تفعيل العلاقة مع العاشقة:

"أحكّ جروحي بأطراف صمتك... والعاصفه
أموت، ليجلس فوق يديك الكلام".

كما أشرت؛ فالمشهد الخامس يدعم التضادّ السلبيّ بين العاشقين، ولهذا يلجأ العاشق إلى محاولة التواصل من خلال الفعل "أحكّ"، ثمّ التضحية بـ"الذات" في سبيل التواصل (أموت). غير أن الصورة تبوح بدلالاتها على نحو آخر: إذ تنبني "الصورة" على ثلاث استعارات جزئيّة تتفاعل في ما بينها، لتشكّل الصورة بنية انزياحيّة بامتياز، فالاستعارة الأولى (أحكّ جروحي)، تنجز مهامّها من خلال الفعل "أحكّ" عبر تشبيه الجرح بمادّة محسوسة، ولتكن الحجر، فما مساحات التقاطع بين الملفوظين؟ سوى أن "الجرح" ينتج عن فعل "الحجر"، أي أنهما يتقاطعان بالاقتضاء بينهما، وما عدا ذلك تتسع الهوة بينهما، الأمر الذي يعزّز قدرة التركيب الاستعاريّ على إنتاج الاختلاف على صعيد الدلالة. وترتبط الاستعارة الثانية بالأولى بحرف الجرّ "الباء"، حيث يتخذ "الصمت" هيئة شيء له "أطراف" فيتجسّد، ويتشيّأ وفق قانون اللغة الشّعرية: تجسيد المجرّد وتجريد المجسّد.
يرتكب الشعر منطقاً خاصّاً به، لكن ما علاقة "العاصفة" هنا، بالتركيب الاستعاريّ؟ وإذا أردنا الدّقة، ما العلاقة الدلالية التي تربط بين "صمتك" و"العاصفة"؟ فالكاف يحيلنا على "العاشقة"، و"الصمت" مؤشّر على امتناع العاشقة عن "التواصل"، و"العاصفة" معطوفة على "الصمت"، لتكون مكافئاً معجميّاً له: أحكّ جروحي بأطراف العاصفة، ويمكن لنا أن نؤوّل التركيب على نحو آخر عبر إحداث تكافؤ معجميّ بين الضمير "ك" العائد إلى العاشقة و"العاصفة"، ليتخذ التركيب صورةً أخرى: "أحكّ جروحي بأطراف صمتـ (ك العاصفة". التركيب بهذا الشكل يحيلنا على "صمت العاصفة" المخادع، صمت الرغبة قبل الانفجار. وترتبط الاستعارة الثالثة بما تقدّم من خلال ارتباط الفعل "أموت" بما سبقه "أحكّ" من حيث استمرارية التكلّم بالضمير "أنا" في الزمن الحاضر، وتتمّ الاستعارة من خلال الفعل (ليجلس) عبر تشبيه "الكلام" بطفل صغير، غير أن التركيب "أموت، ليجلس فوق يديك الكلام" يدخل مجال اللاحسم على الصعيد الدلاليّ، فهو يتحرّك بين: تضحية العاشق بنفسه (أموت)، كي تفوز العاشقة بالحياة، أو التضحية مقابل استمرار العاشقة في التواصل. ومن هنا نجد أن العنوان مع ضديده الدلاليّ ينأيان عن التفاعل، في وصفهما حركةً التحاميةً بين العاشقين، ليدلاّ على حال انفصال بينهما، فالرغبة في التواصل صادرة عن العاشق وحده دون العاشقة. إنها جروح العشق وعذاباته بانقطاع الوصال والاتصال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: رد: تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين   الثلاثاء مارس 09, 2010 7:03 pm

ـ المقطع السادس:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
لأني أحبّك "يجرحني الماء"
والطرقات إلى البحر تجرحني
والفراشة تجرحني
وأذان النهار على ضوء زنديك يجرحني
يا حبيبي، أناديك طيلة نومي، أخاف انتباه الكلام
أخاف انتباه الكلام إلى نحلة بين فخذيّ تبكي
لأني أحبّك يجرحني الظلّ تحت المصابيح، يجرحني
طائرٌ في السماء البعيدة، عطر البنفسج يجرحني
أوّل البحر يجرحني
آخر البحر يجرحني
ليتني لا أحبّك
يا ليتني لا أحبّ
ليشفى الرخام".


فالحبّ بؤرة المشهد، والحبّ انطلاق (طيران) الذات نحو الآخر، نحو الذات، صعودٌ وهبوطٌ، غير أن للحبّ تكاليفه، وعذاباته "لأني أحبّك يجرحني: الماء، الطرقات، الفراشة، أذان النهار، الظلّ، طائر، عطر البنفسج، أوّل البحر، آخر البحر"، المشهد هنا ردّ من العاشقة على أوهام العاشق بامتناع العاشقة عن التواصل. وبمعنى آخر إن خطاب العاشقة يعمّق من وحدة العاشقين واستمرار جدليّة الصعود والهبوط من خلال انفتاح الخطابين بعضهما على بعض، غير أن طارئاً ما يقوّض تيار الحبّ المستمرّ بين العاشقين:
"ليتني لا أحبّك/ يا ليتني لا أحبّ/ ليشفى الرخام".
شفاء الجسد (الرخام) من جراحه مرهون بـ"ليتني لا أحبّك"، أي ترجيح الانفصال، بين "يطير" و"يحطّ"، وبالتالي "ليتني أكرهك". بهذا التكافؤ التأويليّ بين العبارتين يتيسّر لنا بنينة المربّع السيميائيّ لتفسير الشذرة الأخيرة:

ليتني أكرهك تضادّ ليتني أحبّك

لا ليتني أحبّك تحت التضادّ لا ليتني أكرهك ّ

وبذلك يمكن القول إن بنية "التمنّي" في خطاب العاشقة لا تقوم على التضادّ، بقدر ما تشتغل تحت التضادّ، أي: لا ليتني أحبّك - لا ليتني أكرهك، إذ الحبّ يخلّف جروحاً غائرةً، وكذلك الكراهية، وعليه شفاء الرخام "ليشفى الرخام = الجسد أو الروح" مشروط بتحقيق المابين: حدٌّ، تخمٌ عاطفيّ يسكن الحيّز البيني بين الحبّ والكراهية متمثّلاً بـ"حياد"، غير أن الحياد لا يحاذي سوى أطراف التمنّي، فلا مجال له في "يطير الحمام - يحطّ الحمام" إما كلاهما معاً (الحبّ) وإما انفصال بينهما (الكراهية). الحياد الذي تبحث عنه العاشقة في الشذرة الأخيرة، ما هو إلا مشيئة التمنّي فحسب.


*******************************************

- المقطع السابع:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
- أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأ
بعشر زنابق بيضاء، عشر أنامل تمضي السماء
إلى أزرق ضاع منها
وأمسك هذا البهاء الرخاميّ، أمسك رائحةً للحليب المخبّأ
في خوختين على مرمر، ثم أعبد من يمنح البرّ والبحر ملجأ
على ضفّة الملح والعسل الأوّلين، سأشرب خرّوب ليلك
ثم أنام
على حنطة تكسر الحقل، تكسر حتى الشهيق فيصدأ
أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأ
فكيف تشرّدني الأرض في الأرض
كيف ينام المنام".


يراكم المشهد السابع دلائل لغويّة كثيرة للتدليل على الحركة المتواترة للحمام في الصعود والهبوط، ويمكن تبئير هذا التراكم في تركيب بؤريّ: جسمك مرفأ، أو يمكن تفسير دلائل المشهد من خلال هذا التركيب الذي يبثّ دلالاته من خلال آليّة التشبيه المضمر أو البليغ: جسمك = مرفأٌ، حيث التطابق يصل إلى أقصى حدوده، بإسقاط أداة التشبيه ووجه الشبه، الأمر الذي يدع التأويل يمضي بعيداً، فالمرفأ يبوح بدلالات الاجتماع والضمّ والاتفاق: "ورفأ الثوب، (...)، يرفؤه رفأً: لأم خرقه وضمّ بعضه إلى بعض وأصلح ما دهى منه، مشتقٌّ من رفء السفينة، (...). والرفاء بالمدّ: الالتئام والاتفاق. (...) وفي الدعاء للمملك بالرفاء والبنين أي بالالتئام والاتفاق وحسن الاجتماع. (...) ورفأ السفينة يرفؤها رفأً: أدناها من الشطّ (...). ومرفأ السفينة: حيث تقرب من الشطّ" ( ). وعليه يفيدنا تشبيه جسد العاشقة بالمرفأ بالوصال والاجتماع بين العاشقين، وتغدو المفردات الأخرى تنويعاً وتمطيطاً وتوسيعاً لهذه النواة الدلاليّة وفق الترسيمة الآتية، حيث يتخذ فيها العاشق دور الفاعل القائم بالاتصال () مع موضوعه (العاشقة):






الفاعل الاتصال الموضوع
أر ا ك
أمسك البهاء الرخامي
أمسك رائحة للحليب المخبّأ في خوختين على مرمر
أعبد من يمنح البرّ والبحر ملجأ على ضفة الملح والعسل
سأشرب الأوّلين
ثمّ خرّوب ليلك
أنام على حنطة تكسر الحقل حتى الشهيق فيصدأ

فالأفعال المضارعة ترتكب حدثها وزمنها في الزمن الحاضر الذي يفيد الاستمرار، أو الاستقبال (سأشرب، ثمّ أنام) كإشارة إلى وقوع الاتصال مستقبلاً. غير أن نهايات المشهد أو "الشذرة الأخيرة منه"، تنسج إرهاصات تشير إلى تفكّك الوصال بين العاشقين:

"أراك، فأنجو من الموت. جسمك مرفأ
فكيف تشرّدني الأرض في الأرض
كيف ينام المنام".

إذا كانت كينونة العاشق مرهونةً بالآخر (العاشقة) من حيث هي المكان الذي يخلد إليه العاشق، وينجو من الموت، فإن السطرين الأخيرين، ومن خلال اسم الاستفهام "كيف" الدالّ على الكيفيّة، يفرز مواقف: التحسّر، والتعجب والإنكار "تشرّدني الأرض" حيث "الأرض" تحيلنا على المشهد الأوّل "أعدّي لي الأرض كي استريح"، حيث تتشابك الاستعارة مع المجاز المرسل إذ يجري استعمال مفردة "الأرض" الدالّة على المكان مقصوداً بها ما حلّ بالمكان أي جسد العاشقة، كما أن حضور الفعل "تشرّدني" كمجرى للاستعارة، يمضي بعلامة "الأرض" إلى أن تتقمّص "العاشقة" مدلولاً لها، وهذا التأويل يحيلنا بدوره على المشهد السادس حيث الرغبة الجارفة في الفرار من تكلفة "الحبّ": ليتني لا أحبّك، وهكذا يمكن كتابة السّطر الثاني على النحو الآتي:

فكيف الأرض تشرّدني في الأرض
العاشقة العاشق العالم

وعليه، يبئّر الفعل "تشرّدني" دلالات الطرد والطريد والتفرّق حيث لا مأوى، لكن السطر الأخير يستدرك الأمر: كيف ينام المنام، والمنام هو موضع النوم، وهو المرفأ، وجسد العاشقة، ليؤكد علاقة التلازم والتفاعل بين المشرّد والمشرّدة، لكن الشذرة الأخيرة توحي بإرهاصات مأساة الحمام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ميرنا
المشرفون
المشرفون


انثى عدد المساهمات : 10
تاريخ الميلاد : 01/08/1987
تاريخ التسجيل : 09/03/2010
العمر : 31

مُساهمةموضوع: رد: تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين   الثلاثاء مارس 09, 2010 7:05 pm

المقطع الثامن:

"يطير الحمام
يحطّ الحمام
حبيبي، أخاف سكوت يديك
فحكّ دمي كي تنام الفرس
حبيبي، تطير إناث الطيور إليك
فخذني أنا زوجةً أو نفس
حبيبي، سأبقى ليكبر فستق صدري لديك
ويجتثّني من خطاك الحرس
حبيبي، سأبكي عليك عليك عليك
لأنك سطح سمائي
وجسمي أرضك في الأرض
جسمي مقام"



في هذا المشهد تتعزّز مخاوف العاشقة من طيران الحمام، ففيما هي تؤكّد على العشق ("حبيبي، سأبكي عليك عليك عليك/ لأنك سطح سمائي/ وجسمي أرضك في الأرض، جسمي مقام") تبرز إرهاصات الانفصال بالتمظهر على نحو واضح:




- حبيبي، أخاف سكوت يديك
- حبيبي، تطير إناث الطيور إليك
- ويجتثّني من خطاك الحرس.

هذه الدلائل: صمت الحبيب، استقطابه لإناث أخر، بروز العامل الاجتماعي متمثّلاً بـ"الحرس" في التفريق بين العاشقين، تأتي لتؤكّد خاتمة القصيدة: "يطير الحمام، يطير الحمام"، وعليه يغدو عنوان القصيدة في حضوره النصّيّ يمارس المراوغة، فتارةً يستدعي ضديده الدلالي للتدليل على هوية العشق، ووحدته، وتارةً أخرى يراوغ تلك الدلالة ويخاتلها ليرسم مدار الانفصال بين العاشقين.

3- مستوى التناص:

سنتوقف عند مستويين من مستويات الفعل التناصي: التناص الخارجي أي البروتوكولات الموقّعة مع النصوص الخارجيّة، والتناص الداخلي حيث التفاعل بين العنوان الراهن وخطاب الشاعر نفسه. وتبعاً لنظرية التناص، فالنصّ احتذاءٌ لنصّ آخر( )، ووقوع الحافر على الحافر، وهو - كذلك - وبالمعنى الإيجابي - نسخٌ وسلخٌ ومسخٌ( ) على ما يرى ابن الأثير الجزري في تفاعلية النصوص الشعريّة بعضها مع بعض، وبالتالي فهو أثرٌ لأثر آخر، بل أثرٌ لآثار (نصوص) أخرى، معروفة الهويّة وغير معروفة، حيث تغدو "أصالة" النصّ - تحت هذه الوطأة - مشكوكاً في أمرها، فلا أصل له، لكونه ابن الخطيئة بامتياز، لا نسب لـه، ونسبه - إن كان ثمة نسب - مفقودٌ في لجّة النصوص والاقتطافات والاقتباسات التي تجتاح كيانه دون رحمة بوعي، ومن دون وعي، فالهجانة هي التي تميّزه وتمنحه الهويّة. يكتب رولان بارت: "كلّ نص هو تناصٌّ، والنصوص الأخرى تتراءى فيه بمستويات متفاوتة، وبأشكال ليست عصيّة على الفهم بطريقة أو بأخرى إذ نتعرّف فيها نصوص الثقافة السالفة والحالية: فكلّ نصّ ليس إلاّ نسيجاً جديداً من استشهادات سابقة"( )، يغدو النصّ - وفق هذه الرؤية - ضيفاً ومضيفاً، متطفّلاً ومتطفّلاً عليه( )، يؤدّي الدورين معاً بلذّة عالية، يتغذّى على جثث النصوص السابقة عليه بنهم، وتنهشه هي الأخرى، ذلك أن الشاعر اللاحق يستبدّ به العماء، ولا يرى العالم إلا من خلال أسلافه الشعراء الذين يهبونه البصر والبصيرة. في هذا الإطار تنفتح قصيدة "يطير الحمام" عنواناً ونصّاً على كائنات نصّيّة، لا يمكن بحال الإمساك بأرواحها، وبقليل من الجرأة يمكن القراءة أن تحدّد طبوغرافية بعض النصوص الخارجيّة ذات الطابع الأنثروبولوجي التي تكشف عن التقاطع بين الكائن الإنساني وطير الحمام في سمات الألفة والأنس والشهوة... حيث تمثّل الإطار الثقافي لاتخاذ الشاعر لطيور الحمام عنواناً لقصيدته، وقد أشرنا إلى بعضها في رمزية العنوان، غير أن قصيدة "يطير الحمام" تتخذ من "نشيد الإنشاد" في العهد القديم نموذجاً للاحتذاء وإدارة الصراع معه، وفي واقع الحال يتمّ التفاعل النصّيّ مع النصّ التوراتيّ - الذي ينحدر بدوره من نصوص سومريّة غارقة في القدم - على مستويات البنية الهيكليّة: تقنية الحوار بين عاشقين، الجوقة أو الكورس كصوت تكراريّ - عدد المقاطع النصّيّة، الثيمات، فضلاً عن البنيتين المعجميّة والإيقاعيّة( ). غير أن ما يهمّ القراءة يتحدّد في كيفية التّفاعل بين عنوان القصيدة الراهنة و"نشيد الإنشاد"؟ في واقع الحال ينأى عنوان القصيدة اللاحقة "يطير الحمام" عن التفاعل المباشر مع "نشيد الإنشاد" في وصفه عنواناً، ليقتنص الشاعر ثيمة العنوان من جسد "نشيد الإنشاد" ذاته عبر تشبيه العاشقين في حوارهما المتعاقب والمدجّج بالغلمة والشهوة بـ"الحمام" نظراً، كما أسلفنا القول في رمزيّة العنوان، إلى ارتباط "الحمام" في المخيال السوسيو - ثقافي بوفرة الشهوة ووقدتها، وما "نشيد الإنشاد"، وفق القراءة الراهنة، إلاّ صرخة تنهض من قاع الأزمان السحيقة في مدائح الجسد، لكننا لو تجاوزنا هذا الأمر، لوجدنا تقاطعاً تناصياً على المستوى المعجميّ للعنوان اللاحق، ومعجميّة النصّ السابق، إذ ترد العبارات النصّيّة الآتية:

"ها أنت جميلةٌ يا حبيبتي ها أنت جميلةٌ. عيناك حمامتان"( ).
"ها أنت جميلةٌ يا حبيبتي ها أنت جميلةٌ. عيناك حمامتان"( ).
"يا حمامتي في محاجئ الصخر في ستر المعاقل أريني وجهك..."( ).
"حبيبي أبيض وأحمر (...). عيناه كالحمام على مجاري المياه مغسولتان باللّبن جالستان في وقبيهما"( ).
5- "واحدةٌ هي حمامتي كاملتي"( ).

هكذا يمثل "تشبيه العاشقين بالحمام" في النص السابق في سياق النصّ، بل إن تشبيه العينيين بالحمام، يتخذ في النصّ صورة لازمة تكراريّة - كما اللازمة "يطير الحمام، يحطّ الحمام" في القصيدة اللاحقة، وهذا الحضور الجزئي لمفردة "الحمام" في النصّ السابق يغدو حضوراً عامّاً في النصّ اللاحق، ليسمه، ويصبح مؤشراً على هويته وكينونته، وذلك بانتقال مفردة "الحمام" من موقع مكانيّ (المتن) إلى موقع مكاني آخر (واجهة النصّ) يتميّز بالخطورة، الأمر الذي تصبح بمقتضاه، ليس عنواناً للنصّ اللاحق فحسب، وإنما النواة النوويّة التي يتكثّف فيها النصّ في حركته الارتداديّة، وينتشر منها في حركته الامتداديّة. فما هو خاصّ يصبح عامّاً، وهو أحد قوانين آليّة التناص وفق ابن الأثير "الضرب التاسع من السلخ: وهو أن يكون المعنى عامّاً فيجعل خاصّاً، أو خاصّاً فيجعل عامّاً"( )، وهذا هو التنقيح الذي يتحدّث عنه هارولد بلوم في علاقة الشاعر اللاحق بالسابق، ذلك أن اللاحق وعبر عمليات التحويل والمسخ، يوزّع النصّ السابق تبعاً لحساسيات مختلفة في نصّه، لكن الأمر لا يتمرّد على الفكرة الآتية: "القصائد، بالضرورة، هي حول قصائد أخرى، القصيدة هي ردّ على قصيدة أخرى"( )، لأن العلاقة بين الشعراء، أي بين النصوص تتخذ الصراع والاقتتال، ومهما أمعن الشاعر اللاحق في عملية القتل، فإن الموتى لا يلبثون أن يعودوا مستمرّين في المقاتلة، وهذا هو شأن "يطير الحمام" مع "نشيد الإنشاد" الذي لا يني يتكلّم بصوت عنيف - وهنا ندخل في مجال التناص الذاتي - في نصوص درويش اللاحقة، يتخذ من "يطير الحمام" المعبر لينفجر في القصائد اللاحقة، وما قصيدة "شتاء ريتا" (1992) إلا إعادة كتابة لـ"يطير الحمام" أو إعادة الكتابة الثانية لـ"نشيد الإنشاد"، وفيها ("شتاء ريتا") يطرأ الوضوح على الغموض الذي اكتنف هويّة العاشقين في "يطير الحمام"، إذ يتحدّد "الحمام": العاشق (فلسطينيّ)، والعاشقة (يهوديّة)، وبذلك يفكّك محمود درويش هويّة "نشيد الإنشاد" على مستوى الفاعلين، بإدخال هويّة مختلفة ومغايرة، لينقل الصراع الأنطولوجيّ من مستوى الأرض إلى مستوى النصّ، وينتهي الحدث الشعري بالعاشقين، في "شتاء ريتّا"، إلى الانفصال أيضاً كما في "يطير الحمام"، الانفصال في وصفه إحدى الدلالات المترشحة عن العنوان "يطير الحمام". لكن كيف يتجسّد ذلك في "شتاء ريتا":
"وكسّرت خزف النهار على حديد النافذة
وضعت مسدّسها الصغير على مسوّدة القصيدة
ورمت جواربها على الكرسي، فانكسر الهديل
ومضت إلى المجهول حافيةً، وأدركني الرحيل"( ).

انكسار الهديل، انكسارٌ للانسجام والألفة والعشق، وبالتالي يغدو حلول "الرحيل" نتيجةً منطقيّة لهذا الانكسار، لهذا الصراع، وتعبيراً آخر لـ"يطير الحمام، يحطّ الظلام". إن العنوان الراهن، نواةٌ دلاليةٌ فعّالةٌ، بذرةٌ في طورَي الكون والانتشاء، لا تني، تنمو في قصائد أخرى، أنجزت بعد "يطير الحمام". وإذا كان "يطير الحمام" في تأويل آخر ليس سوى "ملهاة العشق ومأساته"، إذ يسيطر الانسجام والالتئام وحسن الاجتماع على العاشقين في المشاهد الثمانية الأولى من النصّ، في حين ينفرد التاسع بثيمة الانفصال والفراق، هذا التمفصل يسوّغ للقراءة تأويل العنوان "يطير الحمام" على أنه: "ملهاة الحمام ومأساة الحمام"، ألا يمكن عندئذ التكهّن بأن "يطير الحمام" هو البذرة المسببّة لعنوان شهير آخر - وقبل قصيدة "شتاء ريتّا" - أقصد "مأساة النرجس، ملهاة الفضة" (1990). من الاحتماليّة بمكان، المضي قدماً في تحرّي صيرورات "يطير الحمام" في نصوص درويش، غير أن الذي يمكن التأكيد عليه أن "العنوان الراهن" ذو طبيعة تفاعليّة لانهائيّة، لا يمكن بحال إمساك مرجعياته ومصادره، وقابليّته على الدخول في علاقات نصّيّة راهنة ومحتملة، فـ"العلامة" النصّيّة أثرٌ مدفوعٌ بآثار سابقة عليه، وفي الوقت نفسه، لها قابليةٌ على دفع نصوص لاحقة، ولاحقة، وليس هدفها في ذلك أن تكون الدمغة الأصليّة، وإنما بذرة، تنتثر بقوّة رياح القراءة وعواصفها، في وصفها سرقةً، ومسخاً ووقوع الحافر على الحافر أو على طرف منه. هذا هو قانون "الانتشار" والطاقة المستحيلة على الانتشاء الذي تأخذ به "العلامة"، انتشاء البذرة في أرض أخرى، لا لتؤكّد معناها، وإنما لتختلف مع ذاتها، وتربك هويّتها المزعومة.

4- تركيب:

كان للعنوان "يطير الحمام" مفاجآته على صعيد إحداث الاختلاف مع ذاته: مرّةً يرسم فضاءً للعشق، وأخرى يفكّك فضاء الانسجام ذاته، رامياً بالائتلاف عرض الحائط، داخلاً بالتذاذ في لعب حرّ من التدليل المستمرّ والمراوغة، يربط بداية القصيدة بنهايتها، لتكون النهاية هي البداية، والبداية هي النهاية، ليستملك النهاية والبداية معاً، أو لا يكون أيّاً منهما معاً، ليحقّق بذلك نصّيّته من خلال بنيته - في وصفه بنيةً نصّيّةً مستقلّةً - ثم ليرتدّ بقوّة، ويؤسّس مداراً للتعالق والتعانق مع النصّ الذي لم يكن سوى توسيع له، وفي حركة إضافية - وليؤكّد غناه واختلافه ووجوده وتطفّله - كان ينهش في النصوص السابقة عليه، ويبيح ذاته للنهش في الوقت ذاته، مؤكّداً الحكمة التفكيكيّة الأثيرة أن النصّ في كينونته لا يتقن سوى إرجاء هويّته وتأجيلها، فراراً من التماثل والتطابق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wal2006



ذكر عدد المساهمات : 1
تاريخ الميلاد : 08/03/1986
تاريخ التسجيل : 16/05/2010
العمر : 32

مُساهمةموضوع: رد: تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين   الأحد مايو 16, 2010 12:17 am

شكرا كتير على الموضوع Very Happy
سلام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تحليل قصيدة يطير الحمام بقلم الناقد السوري الدكتور خالد حسين
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات جامعة درعا  :: منتديات الأدب العربي :: قسم الشعر العربي-
انتقل الى: